أحمد بن محمد الهمذاني ( ابن الفقيه الهمذاني )
125
البلدان
أقطار الأرض ، ويسكنها من الناس ما لا يحصى عددهم ، ويختلط الرياح الطيّبة بهوائها ، ويثبت حكمة أهلها ، ويصرف عنها سورة السموم والحرّ ، ويطوى عنها قسوة البرد والزمهرير ، ويظعن عنها الشرور حتى لا يصيبها خبل من الشيطان ، وإن جلب إليها الملوك والأمم بجنودهم وحاصروها لم يدخل عليها ضرر . فبناها وسمّاها الإسكندريّة ، ثم رحل عنها فيقال : إنه مات ببابل وحمل إلى الإسكندريّة فدفن بها ويقال : إنها عملت في ثلاثمائة سنة ، وخمّرت نورتها ثلاث سنين ، وضربت ثلاثمائة سنة . ولقد غبر أهلها سبعين سنة ما يمشون بالنهار فيها إلَّا بخرق سود ، فرق أن تذهب أبصارهم من بياض جدرها ، وما أسرج فيها أحد سراجا بليل من ضوئها ، ومنارة الإسكندريّة على سرطان من زجاج في البحر ( 1 ) . والجوف بمصر وباليمامة وهما جوفان ، مثل الطوخ بالعراق ، وحلوان بمصر على فرسخ من الفسطاط ، وبه نخل كثير والكريون على ثلاثة فراسخ منها . فأما منارة الإسكندريّة فلها عمودان من نحاس على صورتين أحدهما من زجاج والآخر من نحاس ، أما النحاس فعلى صورة عقرب ، والزجاج على صورة سرطان ، والمنظرة إلى جنبهما ويقال لها المنارة . وعين الشّمس على ثلاثة فراسخ من الفسطاط ومنف مساكن فرعون بينها وبين عين الشمس ثلاثة فراسخ . وقد اختلفوا في الإسكندر فزعم بعضهم أنه ذو القرنين ، وقال آخرون : ليس هو ذو القرنين ابن فيلفوس ، ولكنه لكثرة جولانه في الأرض وطيّه الأقاليم شبّهه من لا علم له بذي القرنين ، وبينه وبين ذي القرنين المعمّر صاحب سدّ يأجوج ومأجوج وباني مدينة مرو ومنارة الإسكندريّة المركَّزة على سرطان من زجاج ، وباني مدينة البهت بالمغرب وتعرف بالبها ، وهي مبنيّة من حجر يسمّى حجر البهت ، من تطلَّع فيها تاه واستغرب ضحكا حتى يتلف نفسه دهر طويل ، وذو القرنين المعمّر هو الذي وقف على صاحب الصور حين دخل الظلمات ، وبلغ
--> ( 1 ) سيتحدث المؤلف فيما بعد عن ثلاث عشرة مدينة باسم الإسكندرية .